يزيد بن محمد الأزدي

172

تاريخ الموصل

ودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين ذكر أول إمارة بنى حمدان بالموصل وما فعلوه بالأكراد : في هذه السنة ولى المكتفى بالله الموصل وأعمالها أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي ، فسار إليها ، فقدمها أول المحرم ، فأقام بها يومه ، وخرج من الغد لعرض الرجال الذين قدموا معه ، والذين بالموصل ، فأتاه الصريخ من نينوى بأن الأكراد الهذبانية ، ومقدمهم محمد بن بلال ، قد أغاروا على البلد ، وغنموا كثيرا منه ، فسار من وقته وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي ، فلحق الأكراد بالمعروبة على الخازر ، فقاتلوه ، فقتل رجل من أصحابه اسمه سيما الحمداني ، فعاد عنهم ، وكتب إلى الخليفة يستدعى النجدة ، فأتته النجدة بعد شهور كثيرة ، وقد انقضت سنة ثلاث وتسعين ودخلت سنة أربع وتسعين . ففي ربيع الأول منها سار فيمن معه إلى الهذبانية ، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت ، فلما رأوا جده في طلبهم ساروا إلى البابة التي في جبل السلق ، وهو مضيق في جبل عال مشرف على شهرزور ، فامتنعوا وغار مقدمهم محمد بن بلال ، وقرب من ابن حمدان ، وراسله في أن يطيعه ، ويحضر هو وأولاده ، ويجعلهم عنده يكونون رهينة ، ويتركون الفساد ، فقبل ابن حمدان ذلك ، فرجع محمد ليأتي بمن ذكر ، فحث أصحابه على المسير نحو أذربيجان ، وإنما أراد في الذي فعله مع ابن حمدان أن يترك الجد في الطلب ليأخذ أصحابه أهبتهم ويسيروا آمنين . فلما تأخر عود محمد عن ابن حمدان علم مراده ، فجرد معه جماعة من جملتهم إخوته سليمان ، وداود ، وسعيد ، وغيرهم ممن يثق به وبشجاعته ، وأمر النجدة التي جاءته من الخليفة أن يسيروا معه ، فتثبطوا ، فتركهم وسار يقفو أثرهم ، فلحقهم وقد تعلقوا بالجبل المعروف بالقنديل ، فقتل منهم جماعة ، وصعدوا ذروة الجبل ، وانصرف ابن حمدان عنهم ، ولحق الأكراد بأذربيجان ، وأنهى ابن حمدان ما كان من حالهم إلى الخليفة والوزير فأنجدوه بجماعة صالحة ، وعاد إلى الموصل فجمع رجاله وسار إلى جبل السلق ، وفيه محمد بن بلال ومعه الأكراد ، فدخله ابن حمدان ، والجواسيس بين يديه ؛ خوفا من كمين يكون فيه ، وتقدم من بين يدي أصحابه ، وهم يتبعونه ، فلم يتخلف منهم أحد ، وجاوزوا الجبل ، وقاربوا الأكراد ، وسقط عليهم الثلج ، واشتد البرد ، وقلت الميرة والعلف عندهم ، وأقام على ذلك عشرة أيام ، وبلغ الحمل من التبن ثلاثين درهما ، ثم عدم عندهم وهو صابر .